الشيخ محمد رشيد رضا
300
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لسانه بالدعاء والثناء ، وقلبه بين الخوف والرجاء رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ أي يقول الذين يجمعون بين التذكر والتفكر ، معبرين عن نتيجة جمع الأمرين ، والتأليف بين المقدمتين : ربنا ما خلقت هذا الذي نراه من العوالم السماوية والأرضية باطلا ، ولا أبدعته وأتقنته عبثا ، سبحانك وتنزيها لك عن الباطل والعبث بل كل خلقك حق مؤيد بالحكم ، فهو لا يبطل ولا يزول ، وإن عرض له التحول والتحليل والأفول ، ونحن بعض خلقك لم نخلق عبثا ، ولا يكون وجودنا من كل وجه باطلا ، فان فنيت أجسادنا ، وتفرقت أجزاؤنا ، بعد مفارقة أرواحنا لأبداننا ، فإنما يهلك منا كوننا الفاسد ، ووجهنا الممكن الحادث ، ويبقى وجهك الكريم ؛ ومتعلق علمك القديم . يعود بقدرتك في نشأة أخرى ، كما بدأته في النشأة الأولى ، فريق ثبتت لهم الهداية ، وفريق حقت عليهم كلمة الضلالة ، فأولئك في الجنة بعملهم وفضلك ، وهؤلاء في النار بعملهم وعدلك ، فَقِنا عَذابَ النَّارِ بعنايتك وتوفيقك لنا ، واجعلنا مع الأبرار بهدايتك إيانا ورحمتك بنا . قال الأستاذ الأمام في تفسير « رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا » الخ : هذا حكاية لقول هؤلاء الذين يجمعون بين تفكرهم وذكر اللّه عز وجل ويستنبطون من اقترانهما الدلائل على حكمة اللّه وإحاطة علمه سبحانه بدقائق الأكوان التي تربط الانسان بربه حق الربط . وقد اكتفى بحكاية مناجاتهم لربهم عن بيان نتائج ذكرهم وفكرهم ، فطى هذه وذكر تلك من إيجاز القرآن البديع وفيه تعليم المؤمنين كيف يخاطبون اللّه تعالى عندما يهتدون إلى شئ من معاني إحسانه وكرمه وبدائع خلقه ، كأنه يقول : هذا هو شأن المؤمن الذاكر المتفكر يتوجه إلى اللّه في هذه الأحوال ، بمثل هذا الثناء والدعاء والابتهال ، وكون هذا ضربا من ضروب التعليم والارشاد ، لا يمنع أن بعض المؤمنين قد نظروا وذكروا وفكروا ثم قالوا هذا أو ما يؤدى معناه ، فذكر اللّه حالهم وابتهالهم ، ولم يذكر قصتهم وأسماءهم ، لأجل أن يكونوا قدوة لنا في عملهم ، وأسوة في سيرتهم ، أي لا في ذواتهم وأشخاصهم ، إذ لا فرق في هذا بيننا وبينهم . قال : أما معنى كون هذا الخلق لا يكون باطلا فهو أن هذا الابداع في